محمد المقداد الورتتاني

202

البرنس في باريس

الصناعات ، يتبين لك ذلك مما على ظاهر مصحف مؤرخ بأواخر القرن الثالث كتبت بخطها تحبيسه فضل مولاة أبي أيوب عام 295 - ومنه أجزاء بالمكتبة العتيقة من جامع القيروان . وللقيرواني : سئل بعض الكتاب عن الخط متى يوصف بالجودة قال : إذا اعتدلت أقسامه وطالت ألفه ولامه . واستقامت سطوره ، وضاهى صعوده حدوره ، وتفتحت عيونه ، ولم تشتبه راؤه ونونه ، وأشرق قرطاسه ، وأظلمت أنقاسه ، ولم تختلف أجناسه ، وأسرع إلى العيون تصوره ، وإلى العقول تثمره ، وقدرت فصوله ، واندمجت أصوله ، وتناسب دقيقه وجليله ، وخرج من نمط الوراقين ، وبعد عن تصنع المحبرين ، وقام لصاحبه مقام النسبة والحلية . قلت والآن صار للخط التونسي طريقة خاصة تجيدها أنامل بعض الكتاب وتحكم أشكالها الجميلة ، وبالقيروان شهرة لخط الموثق صديقنا الفاضل السيد الحاج علي بن عبيد الغرياني . ولعدة عائلات بالقيروان أساليب حسنة في الخط تتوارثها الأبناء من الآباء ، وتتميز طريقة كل عائلة عما سواها ، يرجع الخبير المتأمل بكل نوع منها إلى مصادره . ولبعض الناس براعة في معرفة خط كل كاتب ممن سبقت له مشاهدة خطوطهم لحسن الحافظة وجودة التأمل . وأعرف من بعض النبهاء بالقيروان فراسة يستجلي بها صفات الكتاب ويتوسم في أخلاقهم وطباعهم بمجرد النظر في خطوطهم فقط وبدون سابقية علم بأحوالهم ولا رؤية ذواتهم . واستحكمت منه هاته الخصيصية حتى تساوت في نظر فراسته الخطوط العربية والفرنساوية إلي برز في لغتها . والعرب من قديم « والقيروان عربية التأسيس والسكان » لهم نباهة في الفراسة والقيافة والعيافة ، ينقلون عنهم فيها أخبارا غريبة ونوادر عجيبة . والدهر لم يبخل على القيروان بالنابغين في عموم الأجيال مثلما لم يشح نبغاء هاته البلدة على المملكة بجلائل الأعمال . وممن لهم جودة النظر في تتبع الأثر بعمل القيروان السيد بلقاسم الشريف يلجأ إليه عند الحاجة فيقتفي أثر الحيوان مسافات بعيدة حتى يتجلى الأمر فيه . وفي عرش أولاد يدير جنوب القيروان محمد بن صالح الذويبي ، له نظر حاد في رؤية ما تحت الأرض من آبار للأول ، وهي كثيرة في القطر من عمران من قبلنا الذين أثاروا الأرض